الغزالي

10

إحياء علوم الدين

فالخصومة مبدأ كل شر ، وكذا المراء والجدال . فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة ، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة ، وذلك متعذر جدا فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم ، ولا تذم خصومته ، إلا أنه إن كان مستغنيا عن الخصومة فيما خاصم فيه ، لأن عنده ما يكفيه ، فيكون تاركا للأولى ، ولا يكون آثما . نعم أقل ما يفوته في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام ، وما ورد فيه من الثواب إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار الموافقة ، ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض ، الذي حاصله إما تجهيل ، وإما تكذيب . فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه ، فقد جهله أو كذبه ، فيفوت به طيب الكلام وقال صلى الله عليه وسلم « يمكَّنكم من الجنّة طيب الكلام وإطعام الطَّعام » [ 1 ] وقد قال الله تعالى * ( وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) * « 1 » وقال ابن عباس رضي الله عنهما ، من سلم عليك من خلق الله ، فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا ، إن الله تعالى يقول * ( وإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) * « 2 » وقال ابن عباس أيضا لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه . وقال أنس [ 2 ] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدّها الله تعالى لمن أطعم الطَّعام وألان الكلام » . وروى أن عيسى عليه السلام مر به خنزير ، فقال مر بسلام . فقيل يا روح الله أتقول هذا لخنزير ؟ فقال أكره أن أعود لساني الشر . وقال نبينا عليه السلام [ 3 ] « الكلمة الطَّيّبة صدقة » وقال [ 4 ] « اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيّبة » وقال عمر رضي الله عنه ، البر شيء هين ، وجه طليق وكلام لين . وقال بعض الحكماء ، الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح . وقال بعض الحكماء ، كل كلام لا يسخط ربك

--> « 1 » البقرة : 83 « 2 » النساء : 86